الوحدة تكسب العالم التركي-الإسلامي قوة جبارة


إن أي خلاف أو نزاع بين المسلمين هو تطور سلبي باتجاه إضعاف قوتهم المعنوية. وهذا من الأسرار التي بينها القرآن الكريم للمؤمنين، وإلى جانب ذلك هناك حقيقة مهمة يلفت القرآن الكريم النظر إليها وهي: فمثلما أن النزاع والشقاق بين المسلمين يضعف من قوتهم المعنوية، فالعكس صحيح أيضا، بمعنى أن الوحدة والتضامن يكسب المسلمين قوة معنوية كبيرة. وقد أمر الله تعالى المؤمنين في القرآن الكريم بأن يقفوا في وجه الظلم صفا واحدا "إذا

ظلمـوا" فقال: "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ" (سورة الشورى :39).


هذا أمر إلهي للمؤمين وهو يحتوي على حكم كثيرة. والقضاء على الإيديولوجيات الإلحادية لا يتحقق إلا بواسطة وحدة المسلمين وتعاونهم.


بيد أنه ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن الذي يجعل وحدة المؤمنين صلبة متينة هو إيمانهم وإخلاصهم. والمحبة الحقيقية والتضامن الحقيقي لا يمكن أن يتأسسا إلا على قاعدة الإيمان الصادق. ويتحقق إخلاص المؤمنين وصدقهم عندما لا ينتظرون من بعضهم البعض أية منفعة أو فائدة، وعندما يحبون بعضهم بعضا بنية صافية لوجه الله تعالى فقط، عندما يتحقق ذلك يكون العمل المشترك صادقا وتكون الوحدة إرضاء لله تعالى. وعندما تتأسس هذه الوحدة على أقوى قاعدة في هذه الدنيا وهي قاعدة حب الله وتقواه لا يمكن أن تزول أو يتفرق عقدها إلا إذا أراد الله تعالى لها شيئا آخر. ومن الواضح أن وحدة على هذا النحو سوف تكسب المسلمين قوة لا نظير لها على وجه الأرض. وقد بين الله تعالى في القرآن الكريم أنه ليس من شرط النصر أن يكون عدد المسلمين أكثر من عدد أعدائهم فقال: " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" (سورة البقرة:249). فالوحدة التي

يؤسسها المسلمون على قاعدة الإيمان والإخلاص تمنحهم عزيمة صلبة تقودهم لتحقيق النصر والنجاح.  
أما أية وحدة أخرى مبنية على أسس أخرى غير الصدق والإخلاص والإيمان فمهما بدت في الظاهر قوية ثابتة فإن أساسها ضعيف خرب. ذلك لأن المصلحة هي العنصر الذي يجمع بين أطرافها، فإذا تضررت هذه المصلحة كانت نهايتها الحتمية. والمسلمون يعرفون جيدا هذا السر لأن القرآن الكريم قد أخبرهم به. والطريف في وحدة المسلمين أنها لا تهتـز بسبب الخسائر الدنوية بل على العكس من ذلك تزداد قوة وصـلابة. هذا الوعي وهذه الرح يزيدان من تضامن المسلمين ويشدان أكثر من أزرهم. ويبين العالم الكبير سعيد النورسي القوة التي يكتسبها المسلمون بواسطة الإخلاص والصدق بالمثال التالي: "لا شك أننا في حاجة إلى سر قوة الإخلاص التي تجعلنا قادرين بالصدق والتعاون على بناء قوة معنوية توازي ألف ومائة أحد عشر قوة معنوية متضافرة. نعم إن ثلاثة أرقام متفرقة إذا لم تتوحد تبقى ثلاث قوى معنوية، لكن هذه الأرقام عندما تتوحد تتحول لتأخذ قيمة مائة وأحد عشر. والرقم أربعة إذا كرر أربع مرات منفصلا بعضه عن بعض يكون ستة عشر، لكنه إذا توحد بسر الأخوة ودخله عامل التضامن ووضع بعضه إلى جنب بعض يتحول لينتج رقما آخر ذي قوة معنوية أكبر وهو أربعة آلاف وأربع مائة وأربعة وأربعون، ومثلما أنتج توحد الأرقام هذه القوة المعنوية الكبيرة فإن توحد ستة عشر فردا بسر قوة الأخلاص الحقيقي ينتج قوة معنوية تضاهي قوة أربعة آلاف فرد، وهذا ما يشهد عليه التاريخ في مناسبات كثيرة". 


وسر هذا السّـر هو التالي:إن الوحدة الحقيقة الصّادقة تجعل كل فرد ينظر بعني أخيه ويسمع بأذني أخيه كذلك. ونتيجة لذلك فإن اتحاد عشرة رجال صادقين يمنحهم قوة معنوية بحيث يجعل كل واحد منهم ينظر بعشرين عينا، ويفكر بعشرة عقول، ويسمع بعشرين أذنا، ويعمل بعشرين يدًا (1).
1) كليات رسائل النور، اللمعة 21، ص. 669.