الوحدة التركية الإسلامية هي ضمان الحضارة الغربية


ولدت المسيحية في أرض فلسطين، بيد أنه بسبب ظلم الحكام في تلك الفترة انتشرت أكثر شيء في مناطق سوريا والعراق اليوم. وعندما شرع النبي عليه الصلاة والسلام في تبليغ الدعوة الإسلامية كانت توجد في مناطق جنوب شبه الجزيرة العربية قبائل يهودية ومسيحية مختلفة. وتبعا لذلك فالتواصل كان قائما بين المسلمين من ناحية والمسيحيين واليهود من ناحية ثانية منذ ظهور الإسلام. ومع انتشار الإسلام واشتداد شوكته، دخل أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون في تلك المناطق تحت مظلة حكم المسلمين. وخلال هذه الفترة كانت العلاقات بين أهل الكتاب والمسلمين يحكمها الاحترام والتسامح. وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم تم عقد معاهدات كثيرة بين المسيحيين واليهود، كما أعطيت لهذه الجماعات عهود ومواثيق لحماية ممتلكاتهم وحقوقهم. ومن بين الأمثلة على تلك العهود العهد الذي أعطي لقبيلتي الجربائيين والأرزوهليين المسيحيّتين. وهذه الوثائق هي معاهدات يقوم بموجبها المسلمون بحماية حقوق أهل الكتاب الذين دخلوا تحت الإدارة الإسلامية أو قبلوا بالحكم الإسلامي، وتأمين حريتهم الدينية وحقوقهم الاجتماعية. وعندما تحدث أية مشكلة في التطبيق، كان يتم الرجوع إلى هذه الوثائق والاستناد إليها في حل تلك المشاكل والنزاعات. ومن الأمثلة على ذلك أن المسيحيين في دمشق عندما واجهتهم جملة من القضايا والمشاكل أخذوا رسالة الأمان التي كانت عندهم وحملوها إلى الخليفة عمر رضي الله عنه وطلبوا منه أن يجد لهم حلا لأمـورهم 1 .

ولنا نماذج وأمثلة أخرى كثيرة عن الخلفاء الذين جاؤوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تعاملوا بدقة كبيرة في موضوع تطبيق العدالة وساروا على خطى النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع. وقد عاش أهل الكتاب سواء منهم الذين كانوا يعيشون في المناطق المفتوحة أو الذين وفدوا إليها من خارجها في أمن وسلام كاملين. وعندما خرج الخليفة الأول أبو بكر الصديق متوجـها إلى الشام أعطى جملة من التعليمات كانت بحق ترجمة للأخلاق القرآنية السامية "يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمآكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئاً بعد شئ فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون" 2 .

إن سرعة انتشار الإسلام جعلت سوريا ومصر اللتين كانتا تعدان المكان الذي يتركز فيه المسيحيون وأهم مدنيتين في الإمبراطورية البيزنطية تنضويان تحت حكم المسلمين في وقت قصير، والأمر نفسه بالنسبة إلى بلاد العراق التي كانت تحت نفوذ الساسانيين. وقد رأى أهل الكتاب بأم أعينهم في هذه الفترة، عن قرب العدالة والرحمة اللتين كان يتميز بهما المسلمون. ولم يُسمع في أي مكان دخل تحت الحكم الإسلامي أن أهل الكتاب فيه أجبروا على تغيير دينهم أو فُرض عليهم التخلي عن عاداتهم وتقاليدهم. إذ لم يسمح أبدا بأي تصرف يهدف إلى تغيير النظام الاجتماعي القائم للمسيحيين، ولم تترك الفرصة لأي كان لمضايقة اليهود والمسيحيين أو إجبارهم على أمر ما. بل إن المذاهب المسيحية المختلفة في روما، والتي كانت تئن تحت الظلم الذي كانت تمارسه بحقهم الكنائس الكاثوليكية أو الكنائس البيزنطية الأوتودوكسية، قد اعتبرت الفتوحات الإسلامية خلاصا و إنقاذا بالنسبة إليها، و كان أهلها يفضلون العيش في ظل الحكم الإسلامي.



اليهود والمسيحيون في ظل الحكم الإسلامي

إن مشهد طبيعة الحياة الاجتماعية والدينية التي يعيشها أهل الكتاب في ظل الإدارة الإسلامية هي على النحو التالي:

لقد سادت الأراضي الإسلامية حرية دينية وعقائدية بأتم معنى الكلمة؛ فلم يكره أحد على ترك دينه، فالعصاة والمتمردون عندما يدخلون ثانية تحت مظلة الحكم الإسلامي تمنح لهم الحريات نفسها.  كما أن الإدارة الإسلامية- باستثناء حالات قليلة جدا- لم تتدخل في مواضيع مهمة جدا مثل الانتخبات البطريركية، و تعيين الموظفين الدينيين، بل إنها ضمنت أنها لن تتدخل في هذه المواضيع بواسطة جملة من التعهدات والمواثيق. وهذه الجماعات استخدمت لغاتها الخاصة بها سواء في شؤونها الحياتية المختلفة أو في طقوسها وممارساتها الدينية. وكمثال على ذلك، فإن النستوريين الذين انفصلوا عن الكنيسة البيزنطية- عندما أرادوا استبدال السريانية المستخدمة باليونانية - استطاعوا أن يجروا الانتخابات التي يريدونها ويرغبون فيها. وكانت للمدارس اليهودية والمسيحية الحرية الكاملة في تدريس العلوم الدينية. وإلى جانب ذلك، فالإدارة الإسلامية تولت حماية المؤسسات التعليمية الدينية بما في ذلك المعابد اليهودية، وهذه المؤسسات والمدارس هي التي تقوم بإنشاء القادة والزعماء الدينيين. والأمر نفسه كان بالنسبة إلى أتباع الديانات الأخرى، فالحكومات الإسلامية سهرت على حماية أماكن العبادة من أي شكل من أشكال الأذى. وأثناء عمليات الفتح بقيت دور العبادة بمنأى عن أية إساءة. ومنذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم اتخذت إجراءات ودونت معاهدات ومواثيق مهمة بهدف حماية كنائس أهل الكتاب ومعابدهم وأديرتهم. ووفقا للمعاهدات التي عقدت في الفترات الأولى فقد سمح للمسافرين المسلمين بالإقامة في المعابد التي كانت موجودة على الطرقات. وهذه إشارة من الطرفين بضرورة احترام كل طرف للطرف الآخر، وتطوير علاقاته معه وإقامة حوار بناء ومفيد. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يُسمح لأهل الكتاب بترميم الكنائس والمعابد المهدمة بل وبناء أماكن عبادة جـديدة متى شاؤوا.

ومن الأمثلة على ذلك فقد سمح بإعادة ترميم معبـد سانت سارجيوس الذي يوجد خارج المدائن، والذي كان قد دمر  في السابق من قبل البطريرك مار عامـه.  ومن الأمثلة الأخرى على ذلك مساهمة والي مصر عقبة في إنشاء المعبد الذي أراد النستوريون إقامته، وترميم كنيسة أورفه في عهد معاوية، وإنشاء كنيسة مرقوس في الإسكندرية إلى جانب أمثلة كثيرة أخرى. ولعل الكنائس والمعابد الموجودة اليوم في فلسطين وسورية والأردن ومصر والعراق تقف شاهدا ودليلا على مقدار الاحترام الذي يبديه المسلمون تجاه أصحاب الديانات الأخرى. ومن الأدلة الأخرى على احترام المسلمين لأتباع الديانات الأخرى ما نراه من تجاور المسجد و معبد سينا الذي يقع على جبل الطور، وهذا المعبد يعتبر اليوم من الأمكان الأكثر زيارة من قبل المسيحيين. ولا شك أن ما يبديه المسلمون من تسامح إنما مبعثه هو الالتزام بأخلاق القرآن الكريم. وعند حديث القرآن الكريم عن المساجد والبيع والصلوات والاماكن التي يذكر فيها اسم الله نبه إلى ضرورة حماية هذه الأماكن فقال: "... وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاس

َ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (سورة الحج: 40).

إلى جانب الاحترام الكبير الذي أبداه النظام الإسلامي لعقائد أهل الكتاب والحرية التي اعترف لهم بها، يلاحظ كذلك العدل الرفيع الذي تعامل بهم مع هؤلاء الأشخاص. فالعدل الذي كان يميز الحكام المسلمين جعل كثيرا من أهل الكتاب يتحاكمون إلى المحاكم الإسلامية ويرفعون مظالمهم إليها، بالرغم من وجود محاكم خاصة بهم تحكم بقوانينهم. وفي فترة من الفترات زاد عدد المسيحيين الذين يتقدمون بمظالمهم إلى المحاكم الإسلامية زيادة كبيرة، الشيء الذي دفع البطريرك النستوري تيماساووس لإصدار بيان يحذر فيهم المسيحيين من سلوكهم ذاك. ولم يكن أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون في الأراضي التي تم فتحها يعتبرون أسرى بل كانوا في وضعية أهل الذمّـة، وبناء على ذلك فهم يتمتعون بوضعية قانونية. والذمي هو غير المسلم الذي يخضع للإدارة الإسلامية و يدفع ضريبة من المال، وفي مقابل ذلك يكون آمنا على نفسه وماله، ويستفيد من الحرية الدينية والفكرية ويعفى من الخدمة العسكرية. كما يكون لهم الحق في حل النزاعات التي تنشب بينهم وفقا لقوانينهم الخاصة بهم. بل إذا اقتضت الضرورة هناك من الناس من تعاد لهم أموال الجزية التي أخذت منهم. وهناك قسم كبير من المؤرخين يعترف بأن الذميين قد تمتعوا بتسامح لا نظير له وأنهم عوملوا معاملة على درجة عالية من العدل. ويشرح المؤرخ المشهور برنارد لويس هذا الوضع فيقول: ...لقد كانت وضعيتهم (الذميين) أفضل بكثير من وضعية أولئك الذين لا يشاطرون الكنيسة رأيها في أوروبا الغربية. فالذميون يتمتعون بحرية ممارسة طقوسهم الدينية كما يريدون، ولم يكونوا أبدا يتعرضون للإعدام أو النفي بسبب عقيدتهم الدينية 3 .

والنبي عليه الصلاة والسلام نبه إلى المعاملة التي يتعين التعامل بها مع أهل الذمة فقال: "من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" فالمسلمون، وعلى ضوء هذه الأخلاق اعتبروا أن حماية غير المسلمين من المسؤوليات المهمة التي تقع على عاتقهم. ومن بين الأمثلة اللطيفة على الأخلاق الرائعة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين أنه أثناء خوض إحدى الحروب مع البيزنطيين رأى المسلمون أن يعيدوا أموال الجزية التي أخذوها من الناس لأن الجيش المسلم لم يستطع أن يوفر لهم الحماية اللازمة. 4 ومن الأمثلة الرائعة كذلك على العطف والشفقة التي عامل بها المسلمون أهل الذمة ما قاله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لذمي كبير في السـنّ: "ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شَبابك، ثم ضيَّعْناك في كِبَرِك " 5 . وتيعين ألا نعتبر أن أخذ الجزية من غير المسلمين وعدم أخذها من المسلمين نوعًا من أنواع الظلم، لأن المسلمين يقومون بواجبهم العسكري بينما سقط هذا التكليف عن غير المسلمين.

 
ماضي الحكم الإسلامي بُشرى للنـور الذي يلوح في المستقبل

لقد عاش المسلمون والمسيحيون واليهود لمدة قرون طويلة في المدن نفسها، بل في الأحياء نفسها في جو من الأمن والسلام. وقد نشط أهل الكتاب-  الذين كانوا يعيشون في الأراضي التي تقع تحت الإدارة الإسلامية- في مجال التجارة وكسبوا الأموال والثروات، وانخرطوا ضمن المهن والحرف المختلفة، وكذلك ضمن إدارات الدولة، ومنهم من كان يعمل موظفا في مركز السلطة. وقد استفاد هؤلاء استفادة عظيمة من حرية الرأي و التفكير، وأصبحوا جزء لا يتجزأ من الحياة العلمية والثقافية، وتركوا لنا مؤلفات ما زالت بين أيدينا حتى اليوم.  ولم يتعرض المواطنون من أهل الكتاب إلى أية ضغوط تعيقهم عن الاستفادة من حقوقهم الاجتماعية. وعندما نعرف أنه في تلك الفترة نفسها كان أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في أوروبا يتعرضون للنبذ والنّفـي ، وحتى إلى القتل، وعندما ندرك أن الكتب التي كانت تحتوي على آراء مخالفة لرأي الكنيسة الرسمي تُحرق بالجملة، وعندما نعرف وندرك ذلك يتبين لنا أكثر حجم الحرية والعدل الذي كانت تتميز به الإدارة الإسلامية.

جميع هذه الأمور كانت منسجمة مع الأخلاق القرآنية التي أمر بها المؤمنـون. وقد تمتعت البلاد التي كانت تخضع للحكم الإسلامي وطبقت فيها الأخلاق القرآنية بالأمن والسلام. هؤلاء الحكام الذين عملوا على توفير السعادة والرفاه لشعوبهم مثلوا نموذجا وقدوة لكثير من الأجيـال التي جاءت من بعدهم. واليوم كذلـك فإنّ الحاجة ملحة لأن يلتزم العالم الإسلامي بالأخـلاق القرآنية وبمنهج النبي عليه الصلاة والسلام.
جميع هذه الحقائق التاريخية تشير إلى مسألة مهمة جدا؛ فالعالم الإسلامي عندما يجعل الأخلاق القرآنية هي الأساس الذي يرتكز عليه في نهضته الجديدة، لن يجني المسلمون فقط ثماره الطيبة بل إن كل من يعيش في البلاد الإسلامية من أتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين، وكذلك الحضارات غير الإسلامية ومنها الحضارة الغربية سوف تجني ثمارها وتستنير بنورها. فإذا التزمت الدول الكبرى بالأخلاق القرآنية فإنّ مخاوف العالم الغربي من العالم الإسلامي سوف تزول بشكل كامل، وهذا سوف يشكل أساسا متينًا من أسس السّلام في العالم.

-----------------------------------------------------------------

1 لفنت أوزتورك، المسيحيون في العالم الإسلامي، دار إيز للنشر، اسطنبول 1998، ص. 15.
2 ماجد كودوري، الحرب والسلام في الإسلام، دار فنار للنشر، اسطنبول 1998، ص. 123؛ الطبري، التاريخ، الجزء الأول 1850.
3 برنارد لويس، العرب في التاريخ، اسطنبول 1979.
4  أبو يوسف 139؛ البلازوري، فتوح البلدان، ص. 187.
5 لفنت أوزتورك، المسيحيون من عصر السعادة إلى الحروب الصليبية، دار إيز للنشر، اسطنبول 1998، ص. 186.